١٦٣

766 46 17
                                        


ترجل يوسف من سيارته متعجلا أمام المنزل، ولاحظ وجود سيارتَي شرطة وجملة من الضباط ورجال الأمن أمام المنزل.. كان وميض الأضواء الحمراء والزرقاء في ظلام الليل يلفت الانتباه ويثير القلق، عرف مباشرة أنه لم يكن مخطئا، وأن شيئا مثيرا للشبهة كان .يحصل في داخل المنزل.

مضى يوسف بخطوات سريعة إلى الداخل، موصيا رجاله بالاستعداد أمام الباب. أوقفه أحد الشرطة عند المدخل، ثم تراجع فورا حين تدخل أحد الضباط ونهره مشيرا إلى هوية يوسف التي لم يكن الشرطي يعرفها.

مشى يوسف إلى الداخل وهو يحس بتوتر شديد، عقدةٌ في معدته كانت تتكون.. إنه يحس أنه لن يصل ليرى مشهدا يستطيع تحمله..

لم يكن يوسف مخطئا، دار بطنه وأحس بغثيان شديد حين دخل الشقة ومن ثم غرفة المعيشة، ليجدها مزدحمة بعناصر الأمن.  رجلٌ كبير للغاية في السن، كثيف اللحية والشيب، الرجل الذي سمع يوسف صوته في الهاتف، كان مقيد اليدين بأصفاد وراء ظهره، وكان يرتعد اضطرابا، وجهه كان أصفر، وكانت ملابسه موضوعة عليه بطريقة عشوائية توضح الاستعجال، فقميصه كان مقلوبا وحزامه غير مغلق بشكل جيد.

ريم كانت تجلس على كنبة في الطرف الآخر من الغرفة، كانت محاطة الكتفين بشرشف خفيف، وبدت ممتقعة الوجه.. كانت عليها ملابس، إلا أن هذه الملابس كانت ممزقة. ظهر أثر أحمر خفيف على وجنتها، وكانت عيناها ممتلئتين بالدموع، ولكنها لم تكن تبكي.

أغمض يوسف عينيه حين رأى هذا المشهد وهو يلعن كل شيء.. عائلته أولا، ريان ثانيا، حسام ثالثا، والدنيا كلها رابعا. وأحس بغثيان شديد وكرهٍ لكل ما في الكون.. رأى في وجه ريم نفسه، لم يكن بحاجة لكل الأدلة الأخرى كي يعرف ما حصل لها، كانت تكفيه نظرة واحدة إلى عينيها ليعرف ما جرى، فهو قد مر به مئات المرات. تمنى من كل قلبه لو يبكي، شيء أسود حط على عينيه ليجمع بين الحزن الشديد، والغضب الأعمى الذي قد يجعله يقتل شخصا ما.

وقعت عينا ريم عليه، وتغيرت ملامحها لشيء من الاستنجاد واللهفة.. توجه يوسف حولها مباشرة بخطوات واسعة وارتباك شديد.. قال بقلق بالغ وهو يجلس أمامها على الأرض دون أن يلمسها: ريم.. هل أنتِ بخير؟

بلعت ريم ريقها ولم تجب فعلا.. زفر يوسف وتمنى لو يعانقها، ولكنه لم يرد أن يلمسها إثر ما مرت به.. قال بصوت هادئ: سأراجع بعض الأمور مع الشرطة، سأعود خلال دقائق.. حسنا؟ هل تحتاجين لأي شيء؟

هزت ريم رأسها بالنفي.. وراقبت يوسف بنظر مشوش بسبب الدموع.. لاحظت أن فك يوسف مشدود لدرجة جعلت عضلات وجهه وعروقه تقفز.. عيناه كانتا حمراوين، صدره كان يصعد ويهبط، وكفاه كانا يهتزان.. وأدركت أنه كان يزيّف الهدوء من أجلها.

التفت يوسف إلى الضابط وقال بخشونة: لماذا تضعون الاثنين في نفس الغرفة؟ -أشار إلى ريم وإلى العجوز- ما هذا الجنون؟ ألا يفترض أن تبعدوها عنه؟

يومٌ لا نهايةَ لهقصص لتهوسّ بها. اكتشف الآن