١٥٦

1.8K 59 35
                                        

: جاهزة؟
تمتمت منال وهي تسحب حقيبتها: نعم.
سبقها يوسف إلى الخارج، وتبعته بخطوات بطيئة إلى السيارة.
مضى ما يقارب أسبوع منذ مواجهتها له.. أيام في غاية الهدوء والسكينة، والمشاعر التي لم تفهمها فعلا.. كانت تحس أنها ويوسف بحاجة لبعض الوقت كي يخلقا لعلاقتهما طبيعةً جديدة.

كان يوسف موجودا طوال الوقت، علاقته مع فارس ترممت بسهولة، وكان يقضي معه ساعات كثيرة كل يوم، وحين يعمل، لم يكن يعمل إلا في غرفة المعيشة.
بدا لها هادئا، مسترخيا ومطمئنا، على عكس عادته منذ عرفته. أحست أن كل ما قالته له غيّر شيئا في داخله إلى الأبد، رغم أنها لم تكن تعرف أنه سيفعل.

أما بالنسبة لهما، فكانا يسدان الفجوة بينهما ببطء شديد، بالتدريج قدر المستطاع.
لم يتكلما كثيرا، ولكنهما كانا يمارسان الجنس عدة مرات كل يوم، وكانا يتواصلان باللمس كثيرا، وبالتفاصيل البسيطة. فهو كان يعد لها شايها صباحا، وهي كانت تفتح كل الستائر في المنزل لأنها تعرف أنه يحب ضوء الشروق.
كلاهما كانا يعرفان أنهما بحاجة للوقت، وكانا يمنحان بعضهما ذلك. فعلاقة يوسف ومنال كانت أعمق بكثير من أن يؤذيها الصمت أو المسافة.

راقبته وهو يفتح باب السيارة، إن وجهه أكثر استرخاءً، وعينيه أقل تعبا، وكتفيه ليسا مشدودين كثيرا كعادتهما.. ويبدو في حالة تأمّل مستمرة..
ركبت بجانبه وحرّك السيارة متجها إلى عيادة طبيبهما النفسي، وأراح كفه على فخذها بصمت دون أن يقول شيئا.

تأملت يده التي دلّكت فخذها شاردة ثم أطلقت بصرها إلى الخارج..
: شيء يقلقكِ؟
ميلت عينيها عليه، كان قد سألها دون أن يلتفت إليها..
همست: أنت لم تذهب إلى النادي الليلي منذ فترة.
شد يوسف كفه على فخذها وقال بصوت ثابت: لم أحتج لذلك.
: لأننا نمارس بكثافة؟
دلك يوسف بإبهامه فخذها وهمهم بتفكير محاولا أن يجد الإجابة الصحيحة، مد يده وخفض واقي الشمس الموجود على سقف السيارة ليحميها من الشمس التي تضرب وجهها حين لاحظ أنها قطبت حاجبيها بسبب الأشعة.. قال بهدوء: ربما.. ولكنني لستُ واثقا.
سكتت منال ممتنة لصراحته..  خلال الأيام الماضية، كان يوسف بطريقة ما يقرؤها قراءة مثالية. يعرف متى يلمسها، ويعرف متى يتركها وشأنها. لم يكن عاطفيا أكثر مما يجب، على العكس، ترك لها مساحتها التي احتاجتها، وكان متواجدا حين احتاجت لوجوده. لم تفهم كيف كان يفعل ذلك، ولكنه فعله بمهارة.

سكتا لبقية الطريق، بينما شغّل هو موسيقى كلاسيكية خافتة في الخلفية، مما كان على عكس عادته.
أوقف يوسف السيارة أمام العيادة.. ألقت عليه نظرة متسائلة حين لم يتحرك لينزل، ابتسم بتردد: اسبقيني، بحاجة لسيجارة.
تأملته لحظات، أحس أنها تريد أن تقول شيئا، ولكنها لم تفعل، ونزلت متوجهة إلى الداخل.

تأمل يوسف منال التي كانت تحاول أن تسترخي، إلا أنه لاحظ توترها بسبب حركة يدها العشوائية على كفها المصاب.
كانا متجاورين، بينهما مسافة بسيطة غير معتبرة، وكان الطبيب مسترسلا في كثير من التعليمات التي أرادهما أن يتبعاها في هذه المرحلة..
قاطعت منال الطبيب ببعض القلق: تقول أن علينا أن لا نخفي عن بعضنا شيئا.. أنا أوافقك.. ولذلك، -نظرت إلى يوسف- أريد أن أقول لك شيئا.

يومٌ لا نهايةَ لهحيث تعيش القصص. اكتشف الآن