جلست منال في موقعها المعتاد على الكنبة في عيادة الطبيب النفسي.
رغم انزعاجها من الطبيب، كانت بحاجة بالغة للكلام معه، فهو أكثر من يفهم يوسف وأكثر من ينجح في تحليله واستيعابه، وهي كانت ستنفجر لو لم تناقش لماذا يتصرف يوسف بهذه الطريقة غير المنطقية.. لماذا ينسحب ويختفي بعد ساعات من اعترافه لها بأنه لم يعد يتحمل الوحدة.
مررت عينيها حول العيادة متأملة المنظر الهادئ المريح للعين والذي بدأت تعتاد عليه..
ألوان فاتحة، نباتات كثيرة، لوحات خالية من الضجيج اللوني، وجدار زجاجي كامل مطل على المدينة.
يجلس أمامها الطبيب على كرسي وثير شبه دائري، ويمسك جهازه اللوحي بيده متصفحا ملاحظات زيارتهما الأخيرة.
رشفت من القهوة التي كانت قد أحضرتها معها وأعادت عينيها على الطبيب حين نظر إليها وابتسم: إذن يا منال.. أهلا بكِ، تسرني رؤيتكِ مجددا!
تنهدت منال وسكتت.. اتسعت ابتسامته: أرى أن ولَعَكِ بي لم يتغير.
عبست منال بعض الشيء.. هز الطبيب كتفيه باستسلام..: حسنا، لا يهم. أخبريني، لماذا أنتِ وحدكِ هنا اليوم؟ كنتُ آمل أن أراكما معا.
مضغت منال شفتها وهي تفكر بيوسف واختفائه المزعج.. أحست بشيء يضغط على صدرها ويخنقها.. تمتمت بصوت خافت: لا أعرف أين يوسف، لعله يضاجع عاهرةً ما.
لم يبدِ الطبيب أي ردة فعل، ولكنه لم يكن يتوقع هذه الإجابة. قال بهدوء: هل سألتِه؟
عقدت حاجبيها: ماذا؟
كرر بإصرار: هل سألتِ يوسف ماذا يفعل؟ لو كان مع امرأة أخرى؟
تنهدت وقالت بانزعاج: لا.. لم أتكلم معه. لقد غادر المعتوه فجأة منذ الفجر. لقد قضينا ليلة من أفضل ليالينا معا. لقد بكى وهو يقول لي أنه لا يريد أن يكون وحيدا. ثم اختفى. لذلك لن أسأله، يمكنه أن يفعل ما يشاء.
سكت الطبيب مفكرا لحظات ثم قال بجدية: اسأليه، هاتفيه الآن.
ترددت منال متفاجئة ثم قالت: ولكن.. -فركت كفيها ببعضهما باضطراب- لماذا تريدني أن أكلمه؟ ماذا لو كان فعلا مع امرأة أخرى؟ لماذا تخاطر هذه المخاطرة؟ ثم.. أنا لا أريد أن أبادر بالتواصل معه بعد ما فعل اليوم.
ابتسم الطبيب بثقة أزعجتها: لن يكون مع امرأة أخرى. جربيني. أما بالنسبة للمبادرة، لا تحتاجين للكلام معه، فقط اسأليه ثم أغلقي في وجهه.
تأملته منال ببرود لحظات، كم كانت تكره هذا، تكره التفاهم العميق بين يوسف والطبيب، يجعلها ذلك تحس أن الطبيب يتفهم يوسف ويعذر أخطاءه.
رمقت الطبيب بتحدٍّ ثم رفعت هاتفها وشغلت مكبر الصوت.
رنّتان فقط وأجاب يوسف بصوت حنون، ومتعب في الوقت ذاته: أهلا حبيبتي، مساء الخير.
عبست منال منزعجة للغاية من ذلك الحب في صوته، وكأنه لم يفعل شيئا.
سحبت نفسا عميقا وقالت بهدوء: أين أنت؟
سكت يوسف لحظات مستغربا السؤال قبل أن يجيب بهدوء: في العمل.. هل تحتاجين شيئا؟ هل كل شيء بخير؟
تبادلت مع الطبيب نظرة ردّها لها بابتسامة.. شدّت على أسنانها ثم قالت متجاهلة أسئلته: منذ الفجر في العمل يا يوسف؟ لم تذهب لأي مكان آخر؟
أجاب يوسف بصوت ثابت: كلا منال، لم أذهب لأي مكان آخر.
بلعت منال ريقها وسكتت.. تابع يوسف مجيبا صمتها: وسأعود إلى البيت مباشرة بعد العمل.
تنهدت منال تنهيدة عميقة، وأدركت أن سماع ذلك الجواب أراحها راحةً لا تصدق.. مازالت تتألم لهروبه، ولكن على الأقل، هو لم يهرب لسرير امرأة أخرى.. تمتمت مستسلمة: حسنا.. يجب أن أغلق الآن.
تردد يوسف، لم يكن يعرف كيف يبرر مغادرته اليوم.. قال بصوت هادئ: انتبهي لنفسكِ، حبيبتي. وكلميني إذا احتجتِ أي شيء.
أغمضت عينيها بألم..: حسنا..
أنت تقرأ
يومٌ لا نهايةَ له
Romansaتعيش منال منذ طفولتها مع الوحش.. الوحش، والعائلة الوحيدة. هذه القصة محض خيال، ولا تشابه بينها وبين الواقع. فضلا، لا تنقل هذه القصة أو تنشرها في أي مكان. لا ينصح بقراءة القصة لمن هم دون ١٨ عاما. *مهم: لا تروج هذه القصة لأي شكل من أشكال العنف، وإنما...
